أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
132
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدهما : أنه الضمير في الجار والمجرور ، وهي « فَفِي النَّارِ » : والثاني : أنها حال من « النَّارِ » ، والزّفير : أوّل صوت الحمار ، والشّهيق : آخره . قال رؤبة : 2730 - حشرج في الصّدر صهيلا أو شهق * حتى يقال : ناهق وما نهق « 1 » وقال ابن فارس : الشّهيق ضدّ الزّفير ، لأن الشّهيق ردّ النّفس ، والزّفير : إخراج النّفس من شدّة الحزن مأخوذ من الزّفر وهو الحمل على الظّهر لشدّته . وقال الزمخشري : نحوه ، وأنشد للشّمّاخ . 2731 - بعيد مدى التّطريب أوّل صوته * زفير ويتلوه شهيق محشرج « 2 » فقيل : الشّهيق : النّفس الممتد مأخوذ من قولهم : جبل شاهق ، أي : عال . وقال الليث : « الزّفير أن يملأ الرّجل صدره حال كونه في الغمّ الشّديد من النّفس ويخرجه ، والشّهيق : أن يخرج النّفس . وهو قريب من قولهم : تنفّس الصّعداء . وقال أبو العالية والربيع بن أنس : الزّفير في الحلق والشّهيق في الصّدر . وقيل : الزّفير للحمار والشّهيق للبغل . قوله : « خالِدِينَ » منصوب على الحال المقدرة . قلت : لا حاجة إلى قولهم مقدرة ، وإنما احتاجوا إلى التقدير في مثل قوله : فَادْخُلُوها خالِدِينَ ، لأن الخلود بعد الدخول بخلاف هذا . قوله : ما دامَتِ ما : مصدرية وقتية ، أي : مدة دوامها . و « دام » هنا بمعنى : بقيت . قوله : إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ « 3 » فيه أقوال كثيرة منتشرة لخصتها بحمد اللّه في ثلاثة عشر وجها . أحدها : - وهو الذي ذكره الزمخشري - فإنّه قال : « فإن قلت : ما معنى الاستثناء في قوله : « إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ » وقد ثبت خلود أهل الجنة والنار في الأبد من غير استثناء ؟ قلت : هو استثناء من الخلود في عذاب النار ، ومن الخلود في نعيم أهل الجنة » . وذلك أن أهل النار لا يخلدون في عذابها وحده ، بل يعذبون بالزمهرير ، وبأنواع أخر من العذاب ، وبما هو أشد من ذلك ، وهو سخط اللّه عليهم ، وكذا أهل الجنة لهم مع نعيم الجنة ما هو أكثر منه لقوله : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ والدليل عليه قوله : عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ، وفي مقابله إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ « 4 » أي : يفعل بهم ما يريد من العذاب ، كما يعطي أهل الجنة ما لا انقطاع له . قال : الشيخ « 5 » : « ما ذكره في أهل النار قد يتمشى ، لأنهم لا يخرجون من النار إلى الزمهرير ، فيصح الاستثناء ، وأما أهل الجنة فلا يخرجون من الجنة ، فلا يصح فيهم الاستثناء » . قلت : الظاهر أنه لا يصح فيها ، لأن أهل النار مع كونهم يعذبون بالزمهرير هم في النار أيضا . الثاني : أنه استثناء من الزمان الدال عليه قوله : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ « 6 » ، والمعنى : إلا الزمان الذي شاءه اللّه ، فلا يخلدون فيها .
--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 106 ) ، وفيه « سحيلا » بدل « صهيلا » وانظر القرطبي ( 9 / 98 ) ، روح المعاني ( 12 / 141 ) . ( 2 ) البيت في ديوانه برواية : . . . أول نهاقة : * سحيل واخراه حيّ المحشرج انظر ديوانه ( 88 ) ، البحر المحيط ( 5 / 251 ) ، روح المعاني ( 12 / 126 ) . ( 3 ) سورة التوبة ، آية : ( 72 ) . ( 4 ) سورة هود ، آية : ( 107 ) . ( 5 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 264 ) . ( 6 ) سورة هود ، آية : ( 107 ) .